محمد بن جرير الطبري
530
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
لما كان يوم السكر ، لبس رستم درعين ومغفرا وأخذ سلاحه ، وامر بفرسه فاسرج ، فاتى به فوثب ، فإذا هو عليه لم يمسه ولم يضع رجله في الركاب ، ثم قال : غدا ندقهم دقا ، فقال له رجل : إن شاء الله ، فقال : وان لم يشأ ! كتب إلى السرى بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحه وزياد باسنادهم ، قالوا : قال رستم : انما ضغا الثعلب حين مات الأسد - يذكرهم موت كسرى - ثم قال لأصحابه : قد خشيت أن تكون هذه سنه القرود ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم ، وجلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة ، وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا ، عليها الصناديق والرجال ، وفي المجنبتين ثمانية وسبعه ، عليها الصناديق والرجال ، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته ، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين ، وكان يزدجرد وضع رجلا على باب إيوانه ، إذ سرح رستم ، وامره بلزومه واخباره ، وآخر حيث يسمعه من الدار ، وآخر خارج الدار ، وكذلك على كل دعوه رجلا ، فلما نزل رستم ، قال الذي بساباط : قد نزل ، فقاله الآخر حتى قاله الذي على باب الإيوان ، وجعل بين كل مرحلتين على كل دعوه رجلا ، فكلما نزل وارتحل أو حدث امر قاله ، فقاله الذي يليه ، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان ، فنظم ما بين العتيق والمدائن رجالا ، وترك البرد ، وكان ذلك هو الشان . وأخذ المسلمون مصافهم ، وجعل زهره وعاصم بين عبد الله وشرحبيل ، ووكل صاحب الطلائع بالطراد ، وخلط بين الناس في القلب والمجنبات ، ونادى مناديه : الا ان الحسد لا يحل الا على الجهاد في امر الله يا أيها الناس ، فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد وكان سعد يومئذ لا يستطيع ان يركب ولا يجلس ، به حبون ، فإنما هو على وجهه في صدره وساده ، هو مكب عليها ، مشرف على الناس من القصر ، يرمى بالرقاع فيها امره ونهيه ،